الشيخ محمد الخضري بك
142
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
فو اللّه لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة « 1 » عند رجل يحبّها لها ضرائر إلّا أكثرن عليها فقالت عائشة : سبحان اللّه ! أو قد تحدّث الناس بهذا ؟ ! وبكت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ، ولا تكتحل بنوم . وفي خلال ذلك كان عليه الصلاة والسلام يستشير كبار أهل بيته فيما يفعل ، فقال له أسامة بن زيد « 2 » لما يعلمه من براءة عائشة : أهلك أهلك ولا نعلم عليهم إلّا خيرا ، وقال علي بن أبي طالب : لم يضيّق اللّه عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك . فدعا عليه الصلاة والسلام بريرة « 3 » جارية عائشة وقال لها : هل رأيت من شيء يريبك ؟ فقالت : والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه « 4 » غير أنها جارية حديثة السّن تنام عن عجينها ، فتأتي الداجن « 5 » فتأكله . فقام عليه الصلاة والسلام من يومه ، وصعد المنبر ، والمسلمون مجتمعون ، وقال : من يعذرني « 6 » من رجل بلغني أذاه في أهلي ، واللّه ما علمت على أهلي إلّا خيرا . ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما يدخل على أهلي إلّا معي . فقال سعد بن معاذ : أنا يا رسول اللّه أعذرك منه ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فقام سعد بن عبادة الخزرجي وقال : كذبت لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أنه يقتل ، فقام أسيد بن خضير ، وقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر اللّه لنقتلنّه ، فإنك منافق تجادل المنافقين . وكادت تكون فتنة بين الأوس والخزرج لولا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل من فوق المنبر ، وخفّضهم حتى سكتوا ، أما عائشة فبقيت ليلتين لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم . وبينما هي مع أبويها إذ دخل النبي عليه
--> ( 1 ) أي حسنة جميلة . ( 2 ) الكلبي الحب ابن الحب يكنى أبا محمد فأمه أم أيمن حاضنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولد أسامة في الإسلام ومات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وله عشرون سنة ، وقد أمّره على جيش عظيم ، فمات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يتوجّه فأنفذه أبو بكر ، وكان عمر يجلّه ويكرمه ، اعتزل أسامة الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية ، وكان سكن المزة من أعمال دمشق ، ثم رجع فسكن وادي القرى ، ثم نزل إلى المدينة ، فمات بها بالجرف سنة 54 ه ، وفضائله كبيرة ، أحاديثه شهيرة . ( 3 ) اشترتها عائشة فأعتقتها ، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها ، وقصتها تلك في الصحيحين . والبريرة واحدة البرير وهو ثمر الأراك . ( 4 ) أعيبه عليها . ( 5 ) هي الشاة التي تألف في البيوت ولا تخرج إلى المرعى . ( 6 ) أي ينصرني إن جازيته على سوء صنيعه .